ميناء العقبة: فرصة استراتيجية تحت تهديد الصواريخ

Can Jordan Capitalise on the Port of Aqaba?
الصورة عبر News

يواجه ميناء العقبة، الميناء الرئيسي للأردن والمنفذ البحري الوحيد للمملكة الأردنية الهاشمية، تحديات كبيرة تهدد دوره الحيوي في الاقتصاد الوطني، خاصة بعد إغلاق مضيق هرمز في عام 2026 بسبب الحرب الإيرانية. يشكل هذا الميناء شريان الحياة التجاري للمملكة، حيث يتعامل مع ما يقرب من 80 بالمئة من صادرات الأردن و65 بالمئة من وارداته. وقد أدى إغلاق مضيق هرمز إلى تسليط الضوء على الأهمية الاستراتيجية للعقبة كبديل محتمل للطرق التجارية البحرية التي تعطلت، مما يجعله مركزاً حيوياً لاستمرارية تدفق السلع في المنطقة، ليس فقط للأردن بل للمنطقة الأوسع. هذه الأهمية المتزايدة تضع الميناء في صلب التنافسات الجيوسياسية والاقتصادية الإقليمية، مما يبرز الحاجة الملحة لتعزيز قدراته وتأمين استمراريته في ظل بيئة مضطربة.

تزايد الأهمية الاستراتيجية في ظل الاضطرابات

يعتبر ميناء العقبة المنفذ البحري الوحيد للمملكة الأردنية الهاشمية، مما يمنحه أهمية حيوية في التجارة الإقليمية والدولية، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية المتزايدة التي تشهدها المنطقة. هذا الواقع الجيوسياسي دفع دولاً مجاورة إلى استكشاف أو تعزيز البنية التحتية اللوجستية التي تمر عبر الأردن أو تتصل به، في سعي لتأمين مسارات تجارية وطاقوية بديلة. في هذا السياق، اقترحت كل من العراق والأردن إعادة إحياء مشروع خط أنابيب النفط بين البصرة والعقبة، وهو مشروع ظل مجمداً لفترة طويلة، بهدف تنويع مسارات تصدير النفط العراقي بعيداً عن مضيق هرمز والممرات المائية الأخرى المعرضة للخطر.

وفي خطوة موازية تعكس الوعي الإقليمي بضرورة تأمين طرق الطاقة، تعمل دولة الإمارات العربية المتحدة على توسيع خط أنابيبها النفطي "غرب-شرق". هذه المشاريع تسلط الضوء على العقبة كمركز لوجستي محوري يمكن أن يخدم مصالح أوسع في المنطقة، ويسهم في استقرار إمدادات الطاقة العالمية. ومع ذلك، لا تخلو هذه الجهود من منافسة إقليمية حادة، حيث تعمل كل من المملكة العربية السعودية ومصر وسوريا على إنشاء مسارات تجارية ولوجستية بديلة خاصة بها. هذا يشير إلى سباق إقليمي محموم لتأمين النفوذ الاقتصادي واللوجستي، حيث تسعى كل دولة إلى تعزيز مكانتها كمركز تجاري وطاقوي موثوق به، مما يزيد من تعقيد المشهد الاستراتيجي للعقبة.

التهديدات الأمنية تعيق الاستثمار وتضر بالاقتصاد

تفاقمت المخاوف الأمنية في المنطقة بشكل ملموس، مما أثر بشكل مباشر على ميناء العقبة. اعترضت الأردن صواريخ إيرانية فوق مدينة العقبة الساحلية ومطارها المجاور في يوليو 2026. وعندما سقطت هجمات إيرانية بالقرب من العقبة في الثاني والعشرين من يوليو، شوهد الدخان من إيلات، المدينة الإسرائيلية المجاورة، مما يؤكد قرب هذه التهديدات من المراكز الحيوية. هذه الحوادث دفعت الهيئات التنظيمية الأوروبية إلى نصح شركات الطيران بتجنب المجال الجوي الأردني حتى أواخر الصيف، مما يشير إلى مخاوف متزايدة بشأن سلامة الملاحة الجوية في المنطقة وتأثيرها المحتمل على حركة الطيران المدني والتجاري.

تأثر قطاع السياحة الأردني بهذه التوترات الأمنية بشكل مباشر وفوري، حيث انخفضت إيرادات السياحة في الأردن بنسبة 23 بالمئة في مارس. وتجلى هذا التأثير بشكل صارخ في مدينة البتراء التاريخية، التي تعد من أبرز الوجهات السياحية في العالم، حيث بلغت نسبة إشغال الفنادق 4 بالمئة فقط، مما يعكس تراجعاً حاداً ومقلقاً في أعداد الزوار وتأثير ذلك على الاقتصاد المحلي.

في سياق إقليمي أوسع، أغلقت دولة الإمارات العربية المتحدة أسواق الأوراق المالية بعد الهجوم الأول الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، مما يعكس حساسية الأسواق المالية الشديدة تجاه التصعيد العسكري في المنطقة. وفي محاولة لدعم اقتصادها في ظل هذه الظروف الصعبة، أعلنت دبي عن حزمة دعم اقتصادي بقيمة مليار درهم إماراتي. تشير هذه الإجراءات إلى أن التوترات الأمنية لا تؤثر فقط على نقاط النزاع المباشرة، بل تمتد لتشمل الاقتصادات الإقليمية الأوسع، وتدفع الحكومات إلى اتخاذ خطوات استباقية لمواجهة التداعيات الاقتصادية السلبية. هذه التطورات تبرز التحديات الجسيمة التي تواجه الاستثمار الأجنبي والمحلي في بيئة إقليمية مضطربة وغير مستقرة، مما يتطلب استراتيجيات حذرة لإدارة المخاطر.

تحديات التمويل وإدارة المخاطر العالمية في العقبة

في خضم هذه التوترات، أكد المدير العام لشركة العقبة للموانئ أن الميناء كان يعمل بشكل طبيعي، وذلك رغم التقارير التي تحدثت عن اعتراض صواريخ ومزاعم السفارة الأمريكية بإخلاء الميناء البحري. تأتي هذه التأكيدات في وقت يتسم بالتوترات الإقليمية المتزايدة، مما يضع ضغوطاً هائلة على البنية التحتية الحيوية في المنطقة ويستدعي شفافية عالية في إدارة المعلومات.

وقد تم توقيع اتفاقية مجموعة موانئ أبوظبي (AD Ports Group) لإدارة ميناء العقبة متعدد الأغراض لمدة 30 عاماً قبل أسابيع قليلة من بدء الحرب الإقليمية. تعكس هذه الاتفاقية التزاماً طويل الأمد بتطوير الميناء وتعزيز قدراته، لكنها تضع الشراكة في سياق جيوسياسي معقد يتطلب دراسة دقيقة للمخاطر المحتملة وتطوير خطط طوارئ فعالة لضمان استمرارية العمليات.

في يوليو 2026، طرحت عمّان استراتيجية لزيادة سعة تخزين النفط في العقبة، بهدف تحويلها إلى مركز إقليمي للتخزين. تهدف هذه الخطوة إلى تعزيز دور الأردن في تأمين إمدادات الطاقة للمنطقة، وتتطلب استثمارات كبيرة وتنسيقاً لوجستياً معقداً لضمان نجاحها في بيئة متقلبة. هذه الاستراتيجية تبرز الطموح الأردني في أن يصبح العقبة مركزاً حيوياً ليس فقط للتجارة العامة بل أيضاً لتخزين الطاقة، مما يعزز أمن الطاقة الإقليمي.

يفتقر الأردن إلى أي أحواض جافة، مما يعني عدم قدرته على توفير خدمات إصلاح وصيانة السفن التي تتطلب الخروج من الماء. هذا النقص في البنية التحتية البحرية المتخصصة يحد من قدرة الميناء على خدمة السفن الكبيرة بشكل مستقل، وقد يفرض قيوداً على طموحاته ليصبح مركزاً لوجستياً إقليمياً شاملاً قادراً على المنافسة مع الموانئ الكبرى الأخرى في المنطقة. هذا الجانب يتطلب استثمارات كبيرة لتعزيز القدرات البحرية المتخصصة.

في المقابل، يمتلك الأردن قدرة مالية محدودة مقارنة بدول مجلس التعاون الخليجي، مما يفرض تحديات كبيرة على تمويل المشاريع الكبرى وتطوير البنية التحتية المطلوبة لتعزيز دور ميناء العقبة. هذا التباين في القدرات المالية يتطلب من الأردن البحث عن شراكات استراتيجية واستثمارات خارجية لتعويض هذا النقص، مع التركيز على جذب التمويل من الجهات الدولية والقطاع الخاص.

على الرغم من هذه التحديات، أشار المراجعة الخامسة لصندوق النقد الدولي (IMF) إلى أن الاقتصاد الأردني حافظ على استقراره على صعيد الاقتصاد الكلي. يقدم هذا التقييم الإيجابي من مؤسسة مالية دولية أساساً للاستقرار والثقة، ولكنه لا يلغي الحاجة إلى معالجة التحديات المالية والهيكلية المستمرة لضمان النمو المستدام في ظل الظروف الإقليمية الراهنة. إن الحفاظ على هذا الاستقرار يمثل إنجازاً في حد ذاته في منطقة مضطربة، لكنه يتطلب يقظة مستمرة وإدارة حكيمة لمواجهة المخاطر المستقبلية وتعزيز قدرة العقبة على تحقيق إمكاناتها الكاملة كبوابة تجارية ولوجستية حيوية.