فرنسا والأردن يقودان جهودًا دولية لدعم الجيش اللبناني في مواجهة التحديات الإقليمية

Lebanese soldiers stand guard in a village in southern Lebanon after Israeli forces withdrew. EPA
الصورة: EPA عبر News

تستضيف فرنسا هذا الشهر اجتماعًا رفيع المستوى يجمع الملك عبد الله الثاني عاهل الأردن، في مسعى لتعزيز الدعم للجيش اللبناني. ويُعقد هذا الاجتماع في إطار جهود دبلوماسية مكثفة تهدف إلى دعم استقرار لبنان، خصوصًا في ظل التوترات المتزايدة في المنطقة والتحديات الأمنية الداخلية والخارجية التي تواجه البلاد. ومن المتوقع أن يحضر الاجتماع المرتقب في باريس الرئيس اللبناني جوزيف عون، في خطوة تؤكد أهمية تقوية المؤسسة العسكرية اللبنانية، والتي تُعتبر ركيزة أساسية للحفاظ على السيادة والاستقرار. هذا الاجتماع، الذي يُعقد في باريس ويُأمل أن يتم في 17 سبتمبر/أيلول، يأتي قبيل مؤتمر أوسع لدعم الجيش اللبناني، مما يشير إلى زخم دولي متزايد لدعم القوات المسلحة اللبنانية.

وتواصل فرنسا دعمها لمبادرة إنشاء بعثة للسياسة الأمنية والدفاعية للاتحاد الأوروبي، وذلك في إطار سعيها لتقديم دعم عملي وملموس للقوات المسلحة اللبنانية. وتؤكد هذه الجهود التزام باريس بتعزيز قدرات الجيش اللبناني، الذي يُنظر إليه كركيزة أساسية للاستقرار في البلاد، وسط تزايد نفوذ قوى غير حكومية. وتهدف المبادرة الأوروبية، المدعومة بقوة من فرنسا، إلى توفير تدريب ومعدات ودعم لوجستي يمكن أن يسهم في تمكين الجيش من أداء مهامه بفعالية أكبر في بيئة أمنية معقدة. وقد أبدت أكثر من 10 دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي، من بينها أيرلندا، اهتمامها بالانضمام إلى البعثة المقترحة للسياسة الأمنية والدفاعية الأوروبية، مما يعكس إجماعًا أوروبيًا واسعًا على ضرورة دعم الجيش اللبناني. وتُعد هذه البعثة جزءًا من رؤية أوسع لتعزيز قدرات القوات المسلحة اللبنانية، بما يتماشى مع المعايير الدولية ويضمن استقلاليتها وفعاليتها.

عملية العقبة ودور الأردن في حشد الدعم الدولي

تأتي هذه الاجتماعات المرتقبة في باريس قبيل مؤتمر أوسع لدعم الجيش اللبناني، بهدف حشد الدعم الدولي للمؤسسة العسكرية في بيروت. ومن المتوقع أن يشهد الاجتماع المرتقب في العاصمة الفرنسية حضور ممثلين عن الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، مما يضفي بعداً دولياً أوسع على الجهود المبذولة لدعم استقرار لبنان وتأكيداً على أهمية التعاون الإقليمي والدولي في هذا الملف. إن مشاركة هذه الدول الكبرى تبرز الأهمية الاستراتيجية للبنان في المنطقة وتؤكد على التزام المجتمع الدولي بدعم مؤسساته الشرعية.

وتشكل "عملية العقبة" مبادرة أطلقها الملك عبد الله الثاني عاهل الأردن في عام 2015، بهدف تعزيز التعاون العسكري والأمني الإقليمي. وقد أثبتت هذه المبادرة فعاليتها في بناء جسور التعاون وتبادل الخبرات بين الدول المشاركة، مما يعزز القدرة الجماعية على مواجهة التحديات الأمنية المشتركة. وفي هذا السياق، صرح جان إيف لودريان، المبعوث الخاص للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى لبنان، بأن "مبادرة جديدة تُطلق في إطار عملية العقبة، تحت رعاية عاهل الأردن. آمل أن تتم في باريس في 17 سبتمبر". هذا التصريح يؤكد الدور المحوري للأردن في قيادة هذه المبادرة الإقليمية والدولية، ويسلط الضوء على تضافر الجهود لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.

ويُعرف جان إيف لودريان بمتابعته الدقيقة للشأن اللبناني، حيث يشغل حالياً منصب المبعوث الخاص للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى لبنان، وهو ما يبرز الدور المحوري الذي تلعبه فرنسا في هذا الملف. وله تصريحات سابقة تعكس قلقه العميق من الوضع في لبنان؛ ففي عام 2020، عندما كان وزيراً للخارجية الفرنسية، وصف لبنان بأنه "تيتانيك بلا أوركسترا"، مشيرًا إلى التدهور السياسي والاقتصادي الذي كان يشهده البلاد حينها. ويُعول على خبرته الدبلوماسية في تذليل العقبات وتنسيق الجهود الدولية لدعم لبنان، خاصة في ظل التحديات الأمنية والسياسية المعقدة التي يواجهها.

تحديات نزع سلاح حزب الله وتعزيز سيادة الدولة

تهدف هذه المساعي الفرنسية الأردنية المشتركة، بدعم دولي واسع، إلى مساعدة قوات الأمن اللبنانية في نزع سلاح حزب الله. ويُعرف حزب الله بأنه ميليشيا مدعومة من إيران، وقد رفض إلقاء سلاحه وسط الأعمال العدائية المستمرة مع إسرائيل. هذا الرفض يشكل تحديًا كبيرًا أمام بسط سيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، ويعقد الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار الداخلي. وقد أشار الحزب إلى رفضه للمفاوضات التي ترعاها الولايات المتحدة، مما يزيد من تعقيد الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تحقيق الاستقرار الشامل.

يبدو أن حزب الله قد عزز تحالفه مع إيران في الآونة الأخيرة، وهو ما يزيد من تعقيدات المشهد الإقليمي ويثير مخاوف بشأن استقرار لبنان ومستقبل سيادته. وفي هذا السياق، من المتوقع أن ينتشر الجيش اللبناني في مناطق محددة، بينما من المفترض أن ينسحب حزب الله من هذه المناطق، في خطوة تهدف إلى تعزيز سلطة الدولة. كما يفترض أن تنسحب إسرائيل من ما يسمى بالمناطق التجريبية، في إطار خطة شاملة لتهدئة التوترات الحدودية وإعادة ترسيم الخطوط الأمنية. هذه الترتيبات تهدف إلى تمكين الجيش اللبناني من السيطرة الكاملة على الأراضي اللبنانية وتأمين الحدود، مما يعزز سيادة الدولة ويقلل من فرص التصعيد. ومع ذلك، تتعثر المحادثات المتعلقة بهذه المناطق التجريبية المقترحة، مما يشير إلى العقبات الكبيرة التي تواجه هذه الجهود.

تأتي هذه الترتيبات في ظل حقيقة أن إسرائيل تحتل حوالي سبعة بالمائة من الأراضي اللبنانية، مما يشكل نقطة توتر مستمرة ويغذي الصراع في المنطقة. الجهود الدبلوماسية تسعى إلى معالجة هذا الاحتلال كجزء من أي حل شامل للوضع الأمني على الحدود، بهدف تحقيق سلام دائم وعادل. إن معالجة هذه النقطة المحورية تُعد أساسية لأي اتفاق مستدام يضمن الأمن لكلا الطرفين.

السياق الإقليمي المتوتر والتداعيات الأمنية

شنت إسرائيل قصفاً واجتاحت جنوب لبنان، مما أسفر عن تدمير عدة قرى حدودية في المنطقة، وتسببت في نزوح واسع النطاق للسكان المدنيين، مما فاقم الأزمة الإنسانية. وفي سياق متصل، أدت حملة قصف إسرائيلية مكثفة في عام 2024 إلى مقتل معظم المسؤولين متوسطي وعاليي الرتب في حزب الله، مما أثر بشكل كبير على هيكلية الحزب القيادية والعملياتية، وأحدث تغييرات في ديناميكيات القوة داخل التنظيم. بدأت "حرب إيران" في أواخر فبراير، مما زاد من التوترات الإقليمية بشكل كبير، وأدخل المنطقة في دوامة من التصعيد والتهديدات المتبادلة، مع تداعيات محتملة على نطاق أوسع. تتزامن هذه التطورات مع الموعد المقرر لانسحاب قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) في ديسمبر، مما يثير مخاوف بشأن فراغ أمني محتمل في المنطقة الحدودية قد يؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار. وقد انتُخب جوزيف عون رئيساً في أوائل عام 2025، ويُعرف جوزيف عون بأنه كان قائداً سابقاً للجيش، مما يمنحه خلفية عسكرية قوية في التعامل مع هذه التحديات الأمنية المعقدة، ويجعله شخصية محورية في أي جهود مستقبلية لإعادة الاستقرار.

يواجه لبنان تحديات اقتصادية وسياسية واجتماعية غير مسبوقة، وقد أثرت هذه الأزمات المتراكمة على قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية لمواطنيها، مما أدى إلى تدهور مستويات المعيشة. في هذا السياق، يبرز الجيش اللبناني كالمؤسسة الوحيدة التي تحظى بثقة واسعة من قبل مختلف أطياف المجتمع اللبناني، مما يجعله عنصرًا حيويًا للحفاظ على ما تبقى من استقرار ومنع الانهيار الكامل. الدعم الدولي للجيش لا يقتصر على الجانب العسكري فحسب، بل يمتد ليشمل الدعم اللوجستي والتدريب، بهدف تعزيز قدراته على تنفيذ مهامه المتعددة، بما في ذلك مكافحة الإرهاب وحفظ الأمن الداخلي وحماية الحدود، مما يعزز من دوره كضامن للاستقرار.

آفاق الحلول والجهود الدبلوماسية المستمرة

من المأمول أن يُعقد الاجتماع المرتقب في باريس يوم 17 سبتمبر/أيلول الجاري، ليشكل نقطة انطلاق جديدة للجهود الدولية الرامية إلى دعم لبنان. وتقود فرنسا جهوداً مشتركة مع إيطاليا لتأسيس بعثة دعم للجيش اللبناني، مما يعكس التزامًا أوروبيًا أوسع بدعم استقرار لبنان وأمنه. وكانت فرنسا قد خططت في البداية لعقد مؤتمر لدعم الجيش اللبناني في مارس/آذار الماضي، لكن الظروف الإقليمية المتغيرة استدعت إعادة جدولة هذه الجهود وتكييفها مع الواقع الجديد، مما يبرز مرونة الدبلوماسية في التعامل مع التحديات. وفي سياق متصل، تتعثر المحادثات المتعلقة بالمناطق التجريبية المقترحة، والتي تهدف إلى إنشاء مناطق خالية من الوجود العسكري للميليشيات على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، مما يعكس صعوبة التوصل إلى توافقات في بيئة متوترة.

ويرى مراقبون أن الحكومة الإسرائيلية من غير المرجح أن تقدم تنازلات بشأن لبنان قبل الانتخابات المقرر إجراؤها في أكتوبر/تشرين الأول، مما يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى المشهد الدبلوماسي ويؤخر أي تقدم محتمل. هذا الوضع السياسي الداخلي في إسرائيل قد يؤخر أي تقدم ملموس في المفاوضات المتعلقة بالحدود أو انسحاب القوات، مما يضع عبئاً إضافياً على الجهود الدبلوماسية. ومع ذلك، فإن الضغوط الدولية المستمرة، بقيادة فرنسا والأردن، تهدف إلى إبقاء ملف دعم الجيش اللبناني على رأس الأجندة الدولية، بغض النظر عن التحديات السياسية الداخلية في الدول المعنية، وذلك لضمان استمرار الزخم نحو الحل.

الجهود الدبلوماسية لا تقتصر على الجانب العسكري فحسب، بل تمتد لتشمل حزمة مساعدات اقتصادية وإنسانية للبنان، بهدف تخفيف وطأة الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يمر بها البلد، والتي أثرت بشكل كبير على حياة المواطنين. فالاستقرار الأمني لا يمكن أن يتحقق بشكل مستدام دون معالجة الأسباب الجذرية للأزمات، بما في ذلك التدهور الاقتصادي وغياب الحوكمة الرشيدة، والتي تقوض أسس الدولة. الدعم الدولي يهدف إلى تعزيز قدرة الدولة اللبنانية على الصمود وإعادة بناء مؤسساتها، لكي تتمكن من استعادة دورها كدولة ذات سيادة كاملة وقادرة على حماية مواطنيها وتأمين مستقبلهم، مما يضمن استقراراً طويل الأمد.