أصدر أكثر من 200 شخصية أردنية بارزة، تضم سياسيين وثقافيين وأكاديميين وعشائريين وعسكريين متقاعدين، رسالة مفتوحة إلى الحكومة في أواخر يوليو/تموز 2026. وقد عبر هؤلاء الموقعون عن قلقهم المتزايد والمشترك بشأن التحالف الأمني المتنامي مع الولايات المتحدة وتداعياته المحتملة على سيادة البلاد واستقرارها الإقليمي. تأتي هذه الرسالة في ظل استضافة الأردن لحوالي 4,000 جندي أمريكي على أراضيه، ما يثير تساؤلات جدية ومستمرة حول الدور الأردني في الصراعات الإقليمية المتفاقمة وتكاليف هذا الوجود العسكري الأجنبي على الأمن الوطني.
رسالة مفتوحة تدعو لمراجعة الاتفاقيات الأمنية
دعا الموقعون على الرسالة المفتوحة، التي حظيت باهتمام واسع، إلى سحب فوري وكامل للقوات الأجنبية من الأراضي الأردنية. كما طالبوا بإلغاء أو مراجعة شاملة للاتفاقية الأمنية والعسكرية المبرمة مع الولايات المتحدة، مشددين على ضرورة تقديمها إلى البرلمان للمصادقة عليها، بما يضمن الشفافية والمساءلة الديمقراطية. جاء هذا المطلب في سياق تزايد الجدل العام والخاص حول الوجود العسكري الأمريكي في البلاد، والذي أصبح نقطة محورية للنقاش الوطني.
ولم تنشر وسائل الإعلام الأردنية الرئيسية النص الكامل للرسالة المفتوحة التي وجهت للحكومة، مما أثار تساؤلات حول مدى حرية التعبير وتغطية القضايا الحساسة محليًا. وقد أثر ذلك بشكل مباشر على مدى انتشار الرسالة داخل الأردن عبر القنوات التقليدية، مما حد من وصولها إلى جمهور أوسع من خلال الصحف والتلفزيون والإذاعة الرسمية.
في المقابل، تم تداول جزء كبير من الرسالة وتفاصيلها على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام خارج الأردن. وقد ساهم هذا الانتشار البديل، الذي اعتمد على الشبكات الرقمية والمصادر الإخبارية الدولية، في إيصال محتوى الرسالة إلى جمهور أوسع بكثير، متجاوزًا بذلك التغطية المحدودة محليًا ومسلطًا الضوء على أهمية الرسالة ومطالبها.
التوترات الأمنية وتداعياتها على الأراضي الأردنية
عززت الهجمات المتكررة على القوات الأمريكية المتمركزة في الأردن، بما في ذلك مقتل جنود أمريكيين، المخاوف المتزايدة من أن استضافة القوات الأمريكية قد حولت الأردن فعليًا إلى ساحة معركة ثانوية في الحرب الإقليمية الأوسع نطاقاً. وخلال هذه الحرب، عبرت صواريخ وطائرات إيرانية مسيّرة، كانت تستهدف مواقع إسرائيلية أو أمريكية في المنطقة، الأجواء الأردنية بشكل متكرر، كما أصابت بعض الضربات منشآت تستخدمها القوات الأمريكية داخل البلاد، مما أدى إلى تصاعد التوترات الأمنية.
وأفادت القيادة المركزية الأمريكية (US Central Command) بمقتل جنود أمريكيين في هجوم إيراني بالصواريخ والطائرات المسيّرة، مما سلط الضوء على المخاطر المباشرة التي يتعرض لها الأفراد العسكريون الأمريكيون في الأردن. في سياق متصل، سعت إيران إلى التمييز بين الشعب الأردني والحكومة الأردنية في تصريحاتها الرسمية، مؤطرة نزاعها على أنه مع الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة وليس مع الأردن كدولة. وذكر الحرس الثوري الإسلامي (Islamic Revolution Guard Corps) أن معلومات حول مواقع القوات الأمريكية في الأردن قد تم توفيرها من قبل مدنيين وعسكريين أردنيين، مما يشير إلى وجود شبكة استخباراتية أو مصادر داخلية.
موقف الحكومة الأردنية والجدل الداخلي
تنظر الحكومة الأردنية إلى الوجود العسكري الأمريكي كعنصر أساسي من عناصر الأمن القومي للبلاد، مؤكدة على أهميته في تعزيز القدرات الدفاعية وردع التهديدات الإقليمية. بينما يرى المنتقدون أن هذا الوجود يحول الأردن إلى هدف محتمل للهجمات الإقليمية ويجر البلاد قسراً إلى صراعات لا ناقة لها فيها ولا جمل. وقد تصاعد الجدل الداخلي حول هذه المسألة بشكل كبير، لا سيما بعد الأحداث الأمنية الأخيرة التي شهدتها المنطقة.
وفي السياق ذاته، شهد البرلمان الأردني نقاشاً حاداً ومحتدماً حول مقتل جنود أمريكيين على الأراضي الأردنية، مما عكس الانقسامات العميقة داخل المؤسسة التشريعية بشأن طبيعة التحالف الأمني مع واشنطن وتداعياته على استقرار البلاد. وقد تباينت الآراء بين مؤيد ومعارض للوجود الأمريكي، مما أظهر تعقيد القضية وحساسيتها على المستوى الوطني.
من جانبه، أكد وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي أن تواجد الأفراد العسكريين الأمريكيين في الأردن يأتي ضمن إطار التعاون الدفاعي طويل الأمد بين البلدين الصديقين. وأشار الصفدي إلى أن هذا التعاون يهدف إلى تعزيز الأمن الإقليمي المشترك ومواجهة التحديات الأمنية المتزايدة في المنطقة، مؤكداً على أن هذا الوجود يخدم المصالح الأردنية العليا.