يواجه الأردن معادلة مناخية متزايدة التعقيد مع كل ارتفاع إضافي في درجات الحرارة، مما يضع ضغوطاً اقتصادية واجتماعية تحد من قدرته على التكيف. وتتجاوز التحديات المناخية في المملكة ندرة المياه التقليدية، لتشمل تأثيرات أوسع على قطاعات متعددة. هذه المعادلة المناخية المعقدة تُعد تحديًا وجوديًا للمملكة، حيث تتضافر العوامل البيئية مع الأعباء الاقتصادية والاجتماعية القائمة بالفعل. وتواجه الأردن بالفعل ضغوطاً اقتصادية واجتماعية تجعل قدرته على تحمل تكلفة الأضرار المناخية والتكيف معها "أكثر محدودية"، مما يبرز الحاجة الملحة لنهج شامل ومتكامل.
تكتسب المخاطر المناخية "وزناً أكبر" مع اقتراب العالم من تجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، وفقاً لتقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UN Environment Programme). وقد يؤدي هذا التجاوز إلى تسارع وتيرة التغيرات المناخية وتفاقم آثارها في مناطق مثل الأردن، التي تُعد من أكثر الدول تأثراً بتداعيات الاحتباس الحراري. ويؤكد التقرير أن الفشل في الحد من الارتفاع الحراري سيجعل الجهود التكيفية أكثر صعوبة وكلفة. هذا التحذير من برنامج الأمم المتحدة للبيئة يلقي بظلاله على مسارات التكيف المستقبلية، مشيرًا إلى أن تجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية سيجعل هذه المسارات "أكثر تكلفة وتعقيدًا".
تفاقم ندرة المياه والضغوط المزدوجة على الموارد
يواجه الأردن بالفعل حدوداً "حرجة" من ندرة المياه، مما يعكس وضعاً بيئياً متأزماً. ويزيد ارتفاع درجات الحرارة من تفاقم هذا التحدي، حيث يؤدي إلى زيادة معدلات التبخر وارتفاع الطلب على المياه، مما "يضاعف الضغوط" على موارد الأردن "المحدودة". وتُظهر البيانات أن المملكة تُصنف ضمن الدول التي تعاني من "أحد أكثر" حالات ندرة المياه "حدة" على مستوى العالم. هذا التحدي المائي، الذي يتفاقم بفعل التغيرات المناخية، يهدد الأمن المائي والغذائي للبلاد بشكل مباشر، ويضع عبئاً إضافياً على القطاعات الاقتصادية والاجتماعية.
تتطلب هذه الظروف المتغيرة من الأردن التعامل مع تغير المناخ كقضية "تنموية واقتصادية" شاملة. كما يجب النظر إليه كقضية تتعلق "بالأمن" المائي والغذائي والصحي والاجتماعي. ويعكس هذا المنظور ضرورة تبني استراتيجيات متكاملة لا تقتصر على إدارة الموارد الطبيعية فحسب، بل تمتد لتشمل كافة جوانب التنمية المستدامة والرفاه الاجتماعي في مواجهة التحديات المناخية المتزايدة. إن الاستثمار في كفاءة استخدام المياه وإعادة تدويرها وحماية مصادرها يجب أن يُعامل كـ "استثمار" في الأمن القومي والاقتصادي والاجتماعي للمملكة، وهو ما يؤكد على الأهمية الاستراتيجية لهذا القطاع.
الضغوط الاقتصادية والاجتماعية تحد من القدرة على التكيف
يواجه الأردن ضغوطاً اقتصادية واجتماعية تجعل قدرته على تحمل تكلفة الأضرار المناخية والتكيف معها "أكثر محدودية". وتُعقد هذه الضغوط من مساعي المملكة لمواجهة التحديات البيئية المتفاقمة. هذه الضغوط تحد من قدرة الأردن على تخصيص الموارد اللازمة للاستثمار في البنية التحتية المقاومة للمناخ وتطوير استراتيجيات التكيف الفعالة.
كما أن تجاوز الارتفاع الحراري العالمي عتبة 1.5 درجة مئوية، بحسب خبراء، يعني أن هامش المناورة المتاح للأردن قد أصبح "أضيق وتكلفة التأخير أعلى". وتزيد هذه الظروف من الضرورة الملحة لاتخاذ إجراءات فورية ومستدامة للتكيف مع التغيرات المناخية. إن كل تأخير في اتخاذ الإجراءات اللازمة يزيد من التكاليف المستقبلية ويجعل التحدي أكثر صعوبة.
ويواجه الأردن بالفعل تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة، تشمل ارتفاع الدين العام والعجز المالي، بالإضافة إلى مستويات مرتفعة من البطالة والفقر. وتلقي هذه التحديات بظلالها على قدرة الحكومة على تخصيص الموارد اللازمة لمواجهة الآثار المناخية. هذه التحديات الهيكلية تضع قيودًا حقيقية على الميزانيات المتاحة للمشاريع المناخية، مما يتطلب إيجاد حلول مبتكرة وشراكات فعالة.
يستضيف الأردن أعداداً كبيرة من اللاجئين، مما يفرض "ضغوطاً إضافية" على قطاعات حيوية مثل المياه والطاقة والتعليم والصحة والبنية التحتية والخدمات العامة. وتزيد هذه الأعباء السكانية من تعقيد الوضع، حيث تتنافس الاحتياجات الأساسية مع متطلبات التكيف المناخي. إن استضافة اللاجئين تزيد من الطلب على الموارد الشحيحة وتضع ضغوطًا هائلة على البنية التحتية المتهالكة بالفعل في بعض المناطق، مما يقلل من المرونة الكلية للمجتمع في مواجهة الصدمات المناخية.
الجدير بالذكر أن الدول والمجتمعات "الأكثر هشاشة" اقتصادياً تتمتع بقدرة "أقل" على الاستثمار في البنية التحتية المقاومة للمناخ والاستجابة للكوارث الطبيعية. وهذا يعني أن الأردن، في ظل هذه الظروف، يواجه صعوبة أكبر في بناء المرونة اللازمة لمواجهة الصدمات المناخية المستقبلية. إن هذه الحقيقة تبرز الحاجة الملحة للدعم الدولي لمساعدة الأردن على تجاوز هذه العقبات.
مسارات التكيف وخفض الانبعاثات: الفرص والتحديات
يحذر تقرير جديد صادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UN Environment Programme) من أن تجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية سيجعل مسارات التكيف "أكثر تكلفة وتعقيدًا". ويقترح التقرير مسارًا يعتمد على مبدأ "التجاوز، ثم الذروة، ثم الانحدار" لتحديد نطاق ومدة تجاوز 1.5 درجة مئوية. هذا المسار يتطلب استراتيجيات طويلة الأجل للتعامل مع واقع ارتفاع درجات الحرارة المؤقت مع السعي للعودة إلى مستويات أكثر أمانًا. وفي سياق التكيف، يجب التعامل مع الاستثمار في كفاءة استخدام المياه وإعادة تدويرها وحماية مصادرها كـ "استثمار" في الأمن القومي والاقتصادي والاجتماعي. هذا النهج يضمن أن تكون جهود التكيف جزءًا لا يتجزأ من الاستراتيجية التنموية الشاملة للبلاد.
يمتلك الأردن "أساسًا جيدًا" للمضي قدمًا من خلال خططه المناخية والتكيفية واستثماراته في الطاقة المتجددة. هذه الإنجازات توفر نقطة انطلاق قوية لمزيد من التقدم في مجال العمل المناخي. تتطلب المرحلة التالية الانتقال من المبادرات والمشاريع "المتفرقة" إلى "مسار وطني متكامل للمناخ". هذا المسار الوطني المتكامل سيضمن تنسيق الجهود وتوجيه الموارد نحو الأهداف الأكثر أولوية. واقترح عمر شوشان أن يطور الأردن سيناريوهات تخطيط وطنية تأخذ في الاعتبار مستويات الاحترار المختلفة، بما في ذلك 1.5 و 1.8 و 2 درجة مئوية وما فوق. هذه السيناريوهات ستوفر رؤية واضحة للتحديات المحتملة وتساعد في صياغة استجابات مرنة ومستدامة.
ولدى الأردن "مصلحة مباشرة" في مواصلة خفض الانبعاثات، خاصة من خلال الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة، والنقل المستدام، وتحسين إدارة النفايات، وتقليل انبعاثات الميثان. يمكن أن تحقق تدابير خفض الانبعاثات "فوائد اقتصادية وصحية مباشرة"، وتخفض تكاليف الطاقة، وتحسن جودة الهواء، وتخلق "فرصًا جديدة" للوظائف والاستثمار الأخضر. هذه الفوائد المتعددة تعزز الحجة الاقتصادية والاجتماعية للتحول نحو اقتصاد أخضر منخفض الكربون.
يمتلك الأردن "فرصًا كبيرة" للاستفادة من التحول في مجال الطاقة، بيئيًا واقتصاديًا وتنمويًا. ويقع الأردن ضمن الحزام الشمسي بمستويات عالية من الإشعاع الشمسي، مما يوفر "أساسًا قويًا" لتوسيع استخدام الطاقة الشمسية. هذا الموقع الجغرافي المتميز يمنح الأردن ميزة تنافسية في إنتاج الطاقة الشمسية، والتي يمكن أن تلبي جزءًا كبيرًا من احتياجاته من الطاقة. ويفتح التقدم السريع في تقنيات تخزين الطاقة وانخفاض أسعار البطاريات الطريق أمام الاعتماد بشكل أكبر على مصادر الطاقة المتجددة. هذه التطورات التكنولوجية تجعل الطاقة المتجددة أكثر جدوى اقتصادياً وتشغيلياً. يمكن أن يلعب التحول نحو الكهربة في قطاعي النقل والصناعة "دورًا مهمًا" في تقليل الانبعاثات. إن كهربة هذه القطاعات ستقلل من الاعتماد على الوقود الأحفوري وتقلل من الانبعاثات الكربونية بشكل كبير.
الحاجة إلى خطة وطنية وتمويل دولي
يتطلب النجاح في مواجهة التحديات المناخية زيادة التمويل الدولي المخصص للمناخ للدول النامية والأكثر هشاشة. ويُشدد على أن الأردن لا يجب أن يتحمل "وحده" التكلفة المالية للتكيف مع أزمة لم يكن "مساهمًا رئيسيًا" في إحداثها. إن العدالة المناخية تقتضي أن تتحمل الدول الصناعية الكبرى، التي ساهمت بشكل أكبر في الانبعاثات التاريخية، جزءًا أكبر من تكاليف التكيف في الدول النامية. كذلك، يحتاج الأردن إلى خطة وطنية شاملة وقابلة للقياس، تتضمن مؤشرات واضحة وآليات للمتابعة والتقييم السنوي. هذه الخطة ستوفر إطارًا منظمًا للعمل المناخي وتضمن تحقيق الأهداف المحددة. كما يجب على المملكة حشد تمويل دولي حقيقي للمناخ من الدول المانحة والمؤسسات المالية الدولية. هذا التمويل ضروري لسد الفجوة بين الاحتياجات التمويلية الكبيرة للأردن وقدراته المالية المحدودة. وفي الوقت نفسه، يجب على الأردن المضي قدمًا على مسارين متوازيين: تعزيز التكيف مع آثار تغير المناخ ومواصلة خفض الانبعاثات. هذا النهج المزدوج يضمن معالجة الأسباب الجذرية للتغير المناخي والتخفيف من آثاره في آن واحد.
الأمل في العودة إلى ما دون 1.5 درجة مئوية
يشير الأستاذ أحمد السلايمة إلى أن تجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية لا يعني الوصول إلى "نقطة اللاعودة" أو "الاستسلام"، مؤكداً أن العودة إلى ما دون هذا المستوى تظل ممكنة على المدى الطويل. هذا التصريح يوفر بصيص أمل ويحث على مواصلة الجهود بدلاً من اليأس. ويتطلب تحقيق هدف العودة إلى ما دون 1.5 درجة مئوية خفضاً "كبيراً وسريعاً ومستداماً" لانبعاثات الغازات الدفيئة. هذه الجهود يجب أن تكون عالمية ومنسقة لتحقيق التأثير المطلوب. وتتوقف إمكانية العودة إلى هذا المستوى على قدرة العالم على الانتقال من مجرد التعهدات إلى التنفيذ الفعلي لتدابير خفض الانبعاثات، وفقاً للسلايمة. إن الفجوة بين الوعود والأفعال لا تزال كبيرة، وتتطلب إرادة سياسية قوية وتعبئة للموارد لتحقيق الأهداف المناخية.