أكد الملك عبد الله الثاني خلال مشاركته في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 سبتمبر أن أي تهديد للأمن المائي في الأردن يمثل تهديداً مباشراً لأمنه الوطني. يربط هذا التصريح بشكل مباشر بين ندرة الموارد المائية والتحديات الاستراتيجية التي تواجه الدولة، معتبراً المياه ركيزة أساسية في صلب الاستقرار الداخلي. يأتي هذا الإعلان في وقت تسعى فيه عمان إلى تكثيف جهودها الدولية لتأمين احتياجاتها المائية في ظل الضغوط المتزايدة على الموارد الطبيعية في المنطقة. تعكس هذه الرؤية الملكية تحولاً في الخطاب الرسمي الذي يضع ملف الموارد الطبيعية على رأس أولويات السياسة الخارجية والأمنية للأردن.
تكامل أبعاد الأمن الوطني الحديث
اقترح الدكتور محمد سالم الحويطي، أستاذ الهندسة البيئية في جامعة الحسين بن طلال، أن يرتكز الأمن الوطني في القرن الحادي والعشرين على خمسة أبعاد متكاملة تشمل المياه، والغذاء، والطاقة، والصحة، والأمن البيئي والمناخي. وأكد الحويطي أن "البيئة لم تعد تتعلق فقط بحماية الأشجار والحد من التلوث، بل أصبحت مرتبطة بالأمن الوطني، وصحة الإنسان، والاستدامة الاقتصادية، والأمن المائي والغذائي، وقدرة الدول على الصمود أمام الأزمات".
وفي سياق ترجمة هذه التوجهات إلى خطوات عملية، وجّه الملك عبد الله الثاني الحكومة في 7 سبتمبر بإعداد استراتيجية وطنية شاملة وموحدة لتمويل المناخ بالتعاون مع القطاع الخاص. تهدف هذه التوجيهات إلى حشد الموارد اللازمة لمواجهة التحديات المناخية المتسارعة، وضمان انخراط المؤسسات غير الحكومية في تحمل المسؤولية الاستراتيجية تجاه الموارد الطبيعية.
بدورها، أطلقت وزارة البيئة استراتيجيتها للأعوام 2026-2029، والتي تركز على ستة محاور رئيسية تشمل النمو الأخضر، والعمل المناخي، والإدارة السليمة بيئياً، واستدامة النظام البيئي، والتوعية البيئية، والأداء المؤسسي. وتأتي هذه الاستراتيجية ضمن جهود الدولة لتعزيز مرونة القطاعات الحيوية وتكييفها مع المتغيرات المناخية.
ويعكس هذا التوجه قناعة متزايدة بين الخبراء بضرورة إعادة تعريف مفهوم الحماية الوطنية. حيث صرح الدكتور محمد عيادات، رئيس المركز الوطني للعدالة البيئية، بأن "المياه والموارد الطبيعية لم تعد ملفات خدمية أو بيئية منفصلة، بل عناصر أساسية في حماية المصالح الوطنية".
من جانبه، شدد عمر شوشان، رئيس اتحاد الجمعيات البيئية، على أهمية تحويل التحديات المناخية إلى مسارات تنموية، مشيراً إلى أن "المرحلة المقبلة تتطلب تغييراً في النظرة: التعامل مع البيئة كفرصة للاستثمار والابتكار والتطوير بدلاً من كونها تكلفة اقتصادية". وتأتي هذه التصريحات لتؤكد التوجه الرسمي نحو دمج المعايير البيئية في صلب السياسات الوطنية، واعتبارها ركيزة أساسية لضمان استقرار الدولة وقدرتها على التعامل مع المتغيرات الإقليمية والمحلية.