اكتشافات أثرية هامة في الأردن: كشف عن معصرة نبيذ بيزنطية وكنيسة غير موثقة

Ruins of a Byzantine wine press found in Jordan.
الصورة: PETRA عبر News

كشف علماء آثار من كلية الآثار والأنثروبولوجيا بجامعة اليرموك عن معصرة نبيذ بيزنطية منحوتة في الصخر الجيري شمال الأردن. وقد تم هذا الاكتشاف في خربة قابلة (Khirbet Qabla)، الواقعة جنوب غرب بلدة زوبيا بمحافظة إربد. وتأتي هذه المعصرة كأحد الاكتشافات الأثرية الهامة التي تسلط الضوء على الفترة البيزنطية في المنطقة، وتقدم رؤى جديدة حول الأنشطة الاقتصادية والدينية في تلك الحقبة. هذا الكشف، الذي قامت به مجموعة من علماء الآثار من جامعة اليرموك، يمثل إضافة قيمة للمعرفة التاريخية والأثرية للمنطقة، ويسهم في فهم أعمق للحياة اليومية والاقتصادية في العصور البيزنطية.

تفاصيل معصرة النبيذ البيزنطية

بالإضافة إلى المعصرة، جرى الكشف عن قبور وبقايا كنيسة صغيرة لم تُوثق من قبل، ما يضيف إلى أهمية الموقع الأثري ويعمق فهمنا للاستيطان البشري في خربة قابلة. وتتكون معصرة النبيذ نفسها من مجموعة متصلة من الأحواض المنحوتة في الصخر الجيري، والتي كانت تُستخدم لعمليات العصر والترسيب وجمع عصير العنب. هذه الأحواض المتصلة بواسطة قنوات منحوتة، تشكل نظامًا متكاملاً لإنتاج النبيذ. إن هذه المعصرة، المنحوتة بدقة في الصخر الجيري، تشمل سلسلة متصلة من الأحواض المصممة خصيصًا لعصر عصير العنب، وترسيبه، ثم جمعه، وكلها متصلة بقنوات محفورة بدقة.

وفي هذا السياق، أوضح الدكتور خالد البشايرة، عميد كلية الآثار والأنثروبولوجيا بجامعة اليرموك، أن "المعصرة تتكون من سلسلة متصلة من الأحواض المستخدمة لعصر عصير العنب وترسيبه وجمعه، والتي ترتبط بقنوات منحوتة". وتُظهر هذه التفاصيل التقنية الدقيقة لعملية إنتاج النبيذ خلال الفترة البيزنطية في المنطقة، مما يشير إلى ازدهار هذه الصناعة في ذلك الوقت ووجود استراتيجيات متطورة للاستفادة من الموارد المحلية. يؤكد هذا التصميم الهندسي المتطور على الكفاءة العالية التي كان يتبعها سكان المنطقة في استغلال الموارد الطبيعية وتطوير الصناعات المحلية، مما يعكس مستوى متقدمًا من التنظيم الاقتصادي والاجتماعي.

مقبرة وكنيسة تعود للعصور القديمة

عثر المنقبون في الموقع على قبور فردية ومقابر عائلية تعود إلى الفترتين الرومانية والبيزنطية، مما يشير إلى استخدام المنطقة كموقع دفن على مدى قرون طويلة. هذا التنوع في أنواع القبور والفترات الزمنية التي تعود إليها يعكس استمرارية الوجود البشري في المنطقة وتطور العادات الجنائزية. كما اكتشف الفريق مبنى كنيسة، والذي كان له تاريخ سابق كمعصرة زيتون قبل تحويله إلى مكان للعبادة. هذا التحول الهندسي والوظيفي للمبنى يبرز مرونة المجتمعات القديمة في إعادة استخدام الهياكل القائمة لتلبية احتياجاتها المتغيرة. وفي هذا الصدد، أفاد الدكتور خالد البشايرة أن "مبنى الكنيسة كان له تاريخ سابق كمعصرة زيتون قبل تحويله إلى مكان للعبادة، مما يعكس كيفية إعادة استخدام الهياكل في الموقع بمرور الوقت". يضيف هذا الكشف بعدًا آخر لفهم التطور المعماري والثقافي للموقع عبر العصور المختلفة، ويقدم دليلاً ماديًا على التكيف المجتمعي مع الظروف المتغيرة، وكيف كانت المجتمعات القديمة تستطيع تحويل المباني لتناسب احتياجاتها المتغيرة سواء كانت اقتصادية أو دينية.

القيمة التاريخية للموقع

تُعد معصرة النبيذ البيزنطية والكنيسة المكتشفة حديثًا أبرز الهياكل الأثرية التي تم الكشف عنها حتى الآن في الموقع الأردني، وذلك بحسب ما أفاد به فريق التنقيب. هذه الاكتشافات الرئيسية تُقدم أدلة قاطعة على الأهمية الثقافية والاقتصادية لخربة قابلة في العصور القديمة. وتشير النتائج الأولية للأبحاث إلى أن خربة قابلة كانت مأهولة خلال الفترات الرومانية والبيزنطية، بالإضافة إلى الفترة الإسلامية المبكرة. وتوفر هذه الاكتشافات رؤى قيمة حول الاستيطان البشري والأنشطة الاقتصادية والدينية التي شهدتها المنطقة على مدى قرون. يسلط هذا التنوع الزمني في الاستيطان الضوء على الأهمية الاستراتيجية والثقافية للموقع عبر حقب تاريخية متعددة، مما يجعله نقطة محورية لدراسة التحولات الحضارية في شمال الأردن وتفاعلاتها مع الحضارات المحيطة. إن هذه الهياكل المكتشفة حديثًا، بما في ذلك معصرة النبيذ البيزنطية والكنيسة، تمثل أهم الاكتشافات التي تم العثور عليها حتى الآن في هذا الموقع الأردني، مما يؤكد على مكانته الأثرية الفريدة.

أهداف التدريب والآفاق المستقبلية

خدم موسم التنقيب كتدريب عملي لطلاب برامج علم الآثار، وحفظ وإدارة التراث، والأنثروبولوجيا خلال الفصل الصيفي لعام 2026. وقد أتاح هذا التدريب للطلاب فرصة اكتساب خبرة مباشرة في الميدان، مما يعزز فهمهم للممارسات الأثرية ويساهم في تطوير مهاراتهم البحثية والتقنية في مجالات التنقيب والتوثيق والتحليل. وتأتي هذه المبادرة ضمن جهود جامعة اليرموك لربط التعليم الأكاديمي بالتطبيق العملي في مجال التراث الثقافي، وتأهيل جيل جديد من المتخصصين القادرين على صون التراث الوطني للأردن. من المتوقع أن تستمر الأبحاث والتنقيبات في الموقع للكشف عن المزيد من الأسرار التي تخبئها خربة قابلة، مما سيزيد من فهمنا لتاريخ المنطقة العريق. يمثل هذا الموسم التدريبي جزءًا أساسيًا من التزام جامعة اليرموك بتوفير تعليم شامل يجمع بين النظرية والتطبيق، مما يعد الطلاب لمواجهة تحديات العمل الميداني في مجال الآثار والتراث.