كشف فريق من علماء الآثار في عام 1987 عن المقبرة رقم 89 في موقع بيلا بمدينة الأردن. وتعد هذه الاكتشافات جزءاً من عمليات التنقيب المستمرة التي تشرف عليها جامعة سيدني (University of Sydney) في المنطقة.
يعود تاريخ المقبرة رقم 89 إلى الفترة ما بين 1000 و900 قبل الميلاد تقريباً. وتوفر هذه اللقى الأثرية بيانات حول الطقوس الجنائزية التي كانت متبعة خلال تلك الحقبة الزمنية. ساهمت هذه المكتشفات في تعزيز فهم طبيعة الاستيطان القديم في بيلا، حيث تشير التقديرات الزمنية إلى استمرارية النشاط البشري في الموقع خلال تلك الفترة، مما يعكس الأهمية التاريخية للمنطقة في دراسة التحولات الاجتماعية والثقافية التي شهدتها بيلا عبر العصور.
محتويات القبر والطقوس الجنائزية
احتوت المقبرة رقم 89 في موقع بيلا على بقايا بشرية تعود لما لا يقل عن 82 فرداً، إلى جانب أكثر من 200 قطعة من المرفقات الجنائزية. وتكشف هذه المكتشفات التي وثقها فريق جامعة سيدني (University of Sydney) عن طبيعة الممارسات المرتبطة بتجهيز الموتى في تلك الحقبة. تشير الأعداد الكبيرة للأفراد المكتشفين داخل مدفن واحد إلى احتمالية استخدام الموقع كمدفن جماعي لفترات زمنية ممتدة، بينما تعكس المرفقات الجنائزية المتنوعة التي وُجدت بجانب الرفات نمطاً اجتماعياً وطقوساً متبعة في التعامل مع المتوفين. توفر هذه اللقى المادية معطيات دقيقة حول الأدوات والمقتنيات التي كانت تُوضع مع الجثامين، مما يعزز الفهم الأثري للتحولات الجنائزية والاجتماعية التي ميزت هذا الموقع التاريخي خلال الفترة ما بين 1000 و900 قبل الميلاد.
تحليلات كيميائية تكشف تجارة التوابل
حدد الباحثون مركب "بيبرين" (piperine)، وهو المادة الكيميائية الرئيسية الموجودة في الفلفل الأسود، داخل ثلاث كؤوس فخارية عُثر عليها في المقبرة رقم 89 في بيلا. تشير هذه النتائج إلى وجود صلات تجارية بعيدة المدى، حيث يُعد الفلفل الأسود نباتاً موطنه الأصلي مناطق في الهند (India) وتحديداً جبال غاتس الغربية (Western Ghats).
أجرت جامعة سيدني (University of Sydney) تحليلات كيميائية على سبع كؤوس فخارية إضافية من الموقع نفسه، وأظهرت النتائج وجود مركبات كيميائية مرتبطة بنبات الشيح ونباتات عطرية أخرى. تشير هذه المعطيات إلى استخدام محتمل لهذه المواد في سياقات طقسية أو جنائزية، مما يعكس معرفة متقدمة بخصائص النباتات وتوظيفها في الممارسات المرتبطة بتكريم الموتى في ذلك العصر.
كشفت الفحوصات أن جميع الكؤوس الفخارية المكتشفة في المقبرة، والبالغ عددها 21 كأساً، تحمل علامات حرق واضحة حول حوافها أو داخل أوعيتها. تدعم هذه العلامات المادية فرضية إشعال مواد عطرية أو توابل داخل هذه الكؤوس، وهو ما يرجح قيام القائمين على الدفن بممارسات تعتمد على التبخير أو الحرق كجزء من الطقوس المتبعة داخل المدفن الجماعي.
احتوت المقبرة أيضاً على حزام برونزي يعود إلى العصر الحديدي المبكر، ويصنف كنموذج وحيد معروف من الطراز الفريجي (Phrygian-style) تم اكتشافه في منطقة بلاد الشام (Levant). يرتبط هذا النمط من المشغولات البرونزية تاريخياً بمناطق الأناضول (Anatolia) والقوقاز (Caucasus) وإيران (Iran)، مما يشير إلى تبادل ثقافي أو حركات انتقال للأفراد والأدوات ميزت التفاعلات الاجتماعية في بيلا خلال تلك الحقبة التاريخية. يساهم وجود هذا الحزام في فهم أوسع للروابط التجارية والتقنية التي ربطت بيلا بمناطق جغرافية بعيدة، ويعزز من الأهمية الأثرية للمكتشفات التي وثقها فريق جامعة سيدني (University of Sydney) في الموقع. توفر هذه الأدلة مجتمعة صورة أوضح لطبيعة الحياة اليومية والطقوس الجنائزية والشبكات التجارية المعقدة التي كانت قائمة في بيلا، متجاوزة حدود المنطقة الجغرافية المباشرة للموقع.